دراسات حول المنبر
بحوث و مناظرات

كيفية التنسيق والأداء
من بعد تهيئة مكوّنات الخطبة في هذه المرحلة , يستعدّ الخطيب لتنظيم أجزاء الخطبة وإحكام تركيبها ، وربط بعضها ببعض ، ووضع أدلّتها في شكل منتج ؛ فالتنسيق هو في الحقيقة بناء الخطبة ونظام عقدها ، بجعل معانيها متساوقة ، فيأخذ بعضها بحجز بعض .
1 ـ المقدّمة
إذا أراد الخطيب أن يجعل لخطبته افتتاحاً ، وجب أن يعني به تمام العناية ، وأن يجمّله بكلّ وسائل التجميل المناسبة التي تجذب الأفكار إليه ، وتهيئ الأسماع ، وتجعل النفوس تتقبله بقبول حسن ؛ فإنّ الفكرة الأولى عن شيء ، أو عن أمر ، أو عن شخص ، تثبت وتقرّ بالنفس ، ومحوها يحتاج إلى عناء شديد ، فإن كانت حسنة صعب تهجينها ، وإن كانت سيئة صعب تزيينها .
وللمقدّمة أحوال :
أ ـ أن يفتح خطبته بمقدّمة تشير إلى الموضوع وموافقة له .
ب ـ أن تكون قصيرة موجزة ؛ كي لا يضيع الذهن بغير المطلوب .
ج ـ أن لا يفاجئ السامعين بما يزعجهم .
د ـ أن تكون قيّمة ، تألف وتشغف بها الأسماع ، فيها جديد للإثارة ، ولفت الأنظار(1) .
2 ـ محور الموضوع
وهو الحصيلة التي يريد الخطيب إيصالها إلى المخاطبين ، وتركيز أذهانهم فيه ، والتفاعل معه ، والأخذ به . فمع تركيبه وتنسيقه وترتيب أدلّته فإنّه يجب أن يكون مُشخّصاً واضحاً ، سهلاً يفهمه الجميع ؛ فإن لم يكن كذلك لم يثمر ثمرته المرجوّة ، وألقى في نفس السامع روح التبرّم ، وكان ذلك طريقاً لورود السأم في قلبه .
3 ـ الخاتمة
تنتهي الخطبة الحسينيّة بذكر مصاب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وهذا من أهم مميّزات هذا النوع من الخطابة ؛ فالخاتمة وإن كانت جزءاً من مكونات الخطبة ، لكنّها في شعور وإحساس المخاطب الحسيني هي روح الخطبة ؛ لأجلها تجتمع الناس ، وهي تبقى في وجدان السامع يترقّب الخطيب بلوغها ؛ ليعبّر عن ولائه ومشاعره تجاه صاحب المصاب ، وهي ميدان عظيم به يتفاضل الخطباء .
وينبغي للخاتمة هنا أن تتّصف بالاُمور التالية ؛ لتؤدي غرضها في التأثير :
أ ـ وحدة المناسبة بينها وبين الموضوع ؛ أن يكون الربط بينهما واضحاً صحيحاً قريباً .
ب ـ الغرض من الخاتمة هو إثارة عواطف المخاطبين , وتأجيجها باتّجاه الأمر الذي يراد تفاعلهم معه . فيجب أن لا يقتحم الخطيب هذا الجزء من غير تمهيد له بقصّة ، أو بأيّ شيء آخر ؛ فإنّ التمهيد يستقطب مشاعر الحاضرين ، ويهيّئ عواطفهم ، ويجعلها حاضرة الاستجابة مع الحدث المطروح .
ج ـ تصوير الفاجعة والمصاب بنحو يأخذ أثره في نفوس وقلوب السامعين ، وكلّما كان أكثر إبداعاً كان أشدّ تأثيراً على القلوب ، فليحسن الخطيب فن تصوير الحدث .
د ـ يجب على الخطيب أن يعتمد على المصادر التاريخية الموثوقة المعتبرة في نقل وقائع الحدث المذكور في الخاتمة ، وخاصّة في مورد ما جرى على أهل البيت من المصائب .
أمّا ما يذكر من تصوير بعض الاُمور والأحداث على غير ما هي في الواقع ، وإن كان البعض منها يؤدّي دوره في التأثير على عواطف الناس ، فإنّه يعدّ تشويهاً للحقائق .
وأيّ حقائق ؟ الحقائق المرتبطة بأهل البيت (عليهم السّلام) الذين طهّرهم الله تعالى من كلّ رجز , فإن ظنَّ أنّ هذا سبيل لتقريب القلوب منهم (عليهم السّلام) فإنّه طلب للحقّ من غير سبيله ، وأهل البيت أجلّ من أن يطلب لهم الحقّ من طريق الباطل .
كما لا يغيب عن الخطيب والأديب الحسيني بأنّ كلّ ما يقوله يتحمّل مسؤوليته أمام الله تعالى ، وسيُسأل عنه . نعم ، لا بأس أن يصوّر الحدث التاريخي الموثّق بذكر الملازمات القريبة منه ، التي لا يكذّبها الواقع ، وهي من صلب الواقع ، وإن لم تذكر مع المنقول من الحدث .
جاء رجلٌ مرتعباً إلى الشيخ العلاّمة محمد علي ابن الشيخ الوحيد البهبهاني (رحمه الله) من حلم رآه في ليلته الماضية ؛ رأى كأنّه يقطع بأسنانه بدن سيّد الشهداء ثمّ يأكله .
اهتز الشيخ بهذه الرؤيا ، ثمّ سأله عن عمله ، فأخبره بأنّه (يقرأ المراثي) ، فنصحه الشيخ بترك ذلك ، أو أنّه يعيد النظر فيما يقرأه ويقوله ؛ بأن يعتمد على الصحيح والموثوق عند ذكر المصائب ، فقد كان يمزج الباطل بالحقّ ، والموضوع بالصحيح ؛ ظناً منه أنّه يحسن عملاً(2) .
خصائص ألفاظ الخطابة
1 ـ ألاّ تكون الألفاظ مبتذلة ، أو مستقلة إلى درجة العامّيّة ؛ فيحسن بالخطيب أن ينتقي ألفاظ الخطبة من غير أن يغرب فيبتعد عن المفهوم المألوف ، ومن غير أن ينزل فينطق بالمبتذل ، أو العاميّ في حضرة مَنْ يفهم الفصحى(3) .
ولقد دأب كبار الخطباء على مزج وجمع الألفاظ من العاميّ والفصيح ، مع مراعاة جمال الألفاظ فيهما معاً .
2 ـ إنّ كلّ جماعة عندها طائفة من الألفاظ إذا ذكرت أثارت خيالات تهزّ النفس بالسرور والاطمئنان ، أو بالسخط والغضب ، فالخطيب الماهر مَنْ يقتبس من هذه الألفاظ ما يكون له الأثر الكبير فيما يريد(4) .
3 ـ أن يكون اللفظ واضحاً مكشوفاً ، وقريباً معروفاً ، من السهل إدراك معناه ، والوصول إلى مرماه ، لا يبعد عن مألوف السامعين ، وإلاّ كان غريباً يعلو على مداركهم(5) .
كيفية الإلقاء
المرحلة هنا هي مرحلة أداء ما كتب وخطط له بالمواجهة المباشرة مع الحاضرين ، ولا شكّ إنّها مرحلة ليست سهلة على الخطيب خاصّة المبتدئ ، وبهذا الميدان يتفاضل أيضاً الخطباء.
فهناك عوامل كثيرة تتظافر في إنجاح الخطيب في إلقائه ، منها :
1 ـ النطق
النطق الحسن هو الدعامة الأولى للإلقاء الجديد ، وإذا اعترى النطق ما يفسده ضاع الإلقاء ، فضاعت معه الخطبة وآثرها ، وفقد الخطيب ما يسمو إليه من وراء البيان ، ولا شيء يذهب بالمعنى الجيد أكثر من النطق الرديء ، وكثيراً ما يُفهم المعنى على غير وجهه ؛ لأنّ النطق قلبه ولم يصوّره تصويراً صادقاً .
والنطق الجيد يحتاج إلى أركان , هي :
أ ـ النطق الجيد
تجويد النطق بأن تخرج الحروف من مخارجها الصحيحة ، وليس معنى ذلك أن يتشادق أو يتكلّف بما يثير سخرية السامع ، أو يثقل القول عليهم .
ب ـ مجانبة اللحن
النطق بما توجبه قواعد العربي في أواخر الكلمات ، ويراعي ذلك مراعاة تامّة في مجلس يحضره مَنْ يفهم ذلك ، ويتابع على
الخطيب أقواله وألفاظه وعباراته .
ج ـ التمهّل في الإلقاء
يعدّ التمهّل من أمارات قدرة الخطيب على التحكّم في الجوانب الفنيّة في الخطابة ، وإن من أشدّ ما يعترض الخطيب المبتدئ هو عدم قدرته في البدء على التحكم في أقواله وإلقائه .
[ وعليه ] يجب مراعاة وملاحظة العناصر المهمّة في الإلقاء الجيّد :
أ ـ يراد من التمهّل في الإلقاء أن لا يكون الخطيب سريعاً في أقواله متعجّلاً ؛ فإنّ السرعة إضافة على دلالتها على فقدان سيطرة الخطيب ، وعدم رباطة جأشه ، فإنّها تشوّه مخارج الحروف ، وتخلط بعضها ببعض ؛ لأنّ عضلات الفم واللسان لا تأخذ الوقت الكافي للانتقال من لفظ إلى لفظ .
ب ـ الخطيب السريع في نطقه لا يعطي السامع الفرصة الكافية لفهم ما يسمع ، وتذوّق ما فيه من صقل اللفظ وجودة المعنى ، فإذا قرعت أذنه عبارة قبل أن يتذوّق ما في الأولى من جمال يعروه التعب ، ويسكن قلبه السأم ، وينصرف عن الإصغاء.
ج ـ الإسراع المفرط يجعل الخطيب يهمل الوقوف عند المقاطع الحسنة .
وممّا يجب الالتفات إليه أنّ التمهّل ليس معناه النطق هادئاً هدوءاً تاماً فتعدم الخطبة الحياة والقوّة ، بل يجب أن يكون في نغمات الصوت ورنّاته ، وملامح الخطيب ونظراته ، والتغيّر النسبي في التمهّل والسرعة ، ما يعطي الخطبة الحرارة والقوّة والحياة(6) .
فعلى الخطيب أن يلاحظ مقاطع الخطبة فيسرع حيث تحتاج إلى السرعة ، ويتمهّل حيث تحتاج إلى التمهّل ، فالجمع بينهما يعطي للخطبة قوّة وحياة .
2 ـ تصوير المعاني بالنطق تصويراً معبراً
ويكون ذلك بالاُمور التالية :
أ ـ ألاّ يجعل صوته نمطيّاً يكون على وتيرة واحدة ، وبشكل واحد لا تغيّر فيه ولا تبديل ؛ فإنّ ذلك يلقي في نفس السامع سآمة ومللاً ، ووراءهما النفور والانصراف(7) .
ب ـ وممّا يحتاج إلى التغيّر والتبدّل في الصوت ، التصرّف في فنون القول بأن تتعاقب على المعنى ، أو المعاني ضروب مختلفة من التعبير.
فالجملة الاستفهامية تختلف في نغمة إلقائها عن جملة التمني ، وهذه تختلف عن جملة التعجّب ، وكما للأمر صيغة تدلّ عليه تختلف عن صيغة الخبر ، فليجعل المتكلّم من نغمات صوته ما يدلّ على ذلك التغاير وهذا التفاوت .
وإذا كانت اللغة قد جعلت صيغ الأمر هي التي تدلّ على الدعاء أو الالتماس ، فقد تركت للمتكلّم واجب إشعار السامعين بالتغاير بينهما ، فليجعل لهجة الأمر تختلف عن لهجة الدعاء ؛ فإنّ لكلّ منهما مقصداً خاصاً يفهم من فحوى الكلام ، ومن صوت الخطاب(8) .
ج ـ كما تختلف الجمل في معانيها تختلف الكلمات أيضاً في معانيها ، وكلّ معنى يحتاج إلى نغمة صوتية معبرة عنه ، كما احتاج إلى لفظ دالّ عليه .
فالإشفاق والتوجّع ، والكآبة والتردّد ، والفرح والحزن ، والضحك والدهشة ، والشكوى واليأس كلّها ذات معاني تحتاج إلى أصوات تناسبها ، وتساعد الألفاظ في الدلالة عليها .
هذا وكلّ جملة فيها كلمة ذات معنى رئيسي هو عمود الجملة ، والمقصد الذي سيقت له ، فقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( أعجب ما في الإنسان قلبه ، وله مواد في الحكمة ، وأضداد من خلافها )) . فكلمة ( قلبه ) هي ذات المعنى الرئيس فيه ، فعند النطق بها يجب أن تُعطى شعاراً صوتياً يدلّ على شرفها , ويوجه الأنظار إليها .
وعلى الخطيب أن يراعي المعتاد من الناس في محادثاتهم في رفع أصواتهم أو انخفاضها ، فهي الحاكية الصادقة ؛ فإنّه إن فعل ذلك كان صادراً في نغماته عن إحساسهم ومشاعرهم وذوقهم العام(9) .
د ـ على الخطيب أن يقوم بتقطيع الخطبة إلى مقاطع مختلفة متنوعة من حيث المضامين ، ويجب أن يختار المقاطع التي يقف عليها ، بحيث يكون وقوفه عند نهاية جزء تام من المعنى الذي يريده ، وأن يكون المقطع ذا رنين قويّ يملأ النفس ويوجّهها نحو الغرض الذي يريده الخطيب(10) .
وهذا العمل له أثر كبير على جلب اهتمام وانتباه السامع ؛ لأنّه يفتح المجال له في متابعة الخطيب في استدراجه للموضوع والمضامين ، والمحتوى الذي يريد إيصاله ، بخلاف فيما لو كانت الخطبة غير مقطّعة ؛ فإنّ المطالب تندمج بعضها ببعض ، فيضيع مراد الخطيب من ذهن السامع .
هـ ـ تجميل الكلام في بعض الأحوال بعبارات تثير انتباه السامع ، خاصّة إذا كانت معبّرة عن واقعة ، ومن الخطباء مَنْ يجمّل خطبهم ببعض المداعبات ، فيحسن أن يكون ذلك منهم بقدر محدود ؛ ليستريح بها السامعون فيستجمعوا نشاطهم ويبعد سأمهم(11) .
وينبغي أن نلفت الانتباه هنا أن ذكر المداعبات في المجلس ليس أمراً مسموحاً به لكلّ خطيب ، فينبغي أن يبتعد عنه الخطيب المبتدئ ؛ فإنّ ذلك يحتاج إلى فذلكة عظيمة ، ولا تكون إلاّ للخطيب الماهر الذي يحسن استخدامها .
نموذج خطابي
نعرض الآن نموذجاً خطابياً قصيراً ، وقد سبق القول بأنّ الأولى بالخطيب المبتدئ أن يتبنّى مثل هذه المحاضرات لسهولة تحضيرها وأدائها ، ومثل هذه المحاضرات قائم على بيان فكرة واحدة معبّرة ، هي محور الموضوع ، يراد طرحها وتأييدها بالأدلّة المقوّية لها ، كما تقدّم في بيان المواضع .
أولاً : لا بدّ أن نلفت الانتباه هنا بأنّ الخطيب لا بدّ أن يبدأ الخطبة بالبسملة لا بشيء آخر ؛ فإنّ كلّ كلام لا يبدأ بالبسملة فهو أبتر . والبسملة يمكن للخطيب أن يعاذ في خطبته من الشيطان ، وأن يؤيّد برحمة الرحمن ؛ فأوّل القول : بسم الله الرحمن الرحيم .
ثانياً : في هذه الخطبة القصيرة محور يتناول تأثير الأموال في عقائد الناس وسلوكهم ، ويؤكّد على خصوص جانب واحد منها ، هو تأثير الأموال السلبي ، وعليه فلا بدّ أن نختار افتتاحية للموضوع تتناول هذه القضية .
نفتتح قوله تعالى : {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة : 75 - 77].
ثالثاً : المقدمة
لا يمكن صدور هذا العالم من غير غاية ؛ لأنّ الخالق له حكيم عليم ، فكلّ شيء له غاية ، وإنّ عدم علمنا على وجه التفصيل لخصوصيات الحكمة والغاية في الكثير من الموجودات لا يعدّ دليلاً على عدم وجود الغاية ، فالغاية ما كانت عند الخالق .
حكي أنّ المنصور كان جالساً فألحّ عليه الذباب حتّى أضجره ، فقال : انظروا مَنْ بالباب من العلماء ؟ فقالوا : مقاتل بن سليمان . فدعا به ثمّ قال له : هل تعلم لأيّ حكمة خلق الله الذباب ؟
قال : ليذلّ به الجبابرة .
قال : صدقت .
فلكلّ شيء غاية ، فما غاية خلق الإنسان ؟
يصرح القرآن الكريم بأنّ الإنسان كغيره من الموجودات لم يخلق عبثاً ؛ [ حيث يقول تعالى : ] {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون : 115] .
غاية خلق الإنسان أن يعبد الله وحدّه لا شريك له .
أمّا العبادة فتحتاج إلى مقوّمات حتّى يستطيع الإنسان أن يمارس أعماله على نحو مطابق لغاية خلقه ، فخلقت لذلك السماء والأرض ، والنبات والحيوان ، وأعطيت له الصحة ، وشرع له الزواج ، ورزق الأولاد ، فجميع ذلك من مقوّمات العبادة .
رابعاً : محور الموضوع
لمّا كانت الغاية هي عبادة الله ، وإنّ ما أُعطي للإنسان إنّما مقوّمات للعبادة ، فعليه أن يوظّفها في ذكر الله وطاعته ، والأموال من جملة الأشياء التي أُعطيت للإنسان .
الأموال طريقها الصحيح أن توظّف في ذكر الله تعالى ، لكن تجد البعض يُسيء استعمالها . كيف ؟ الأموال تأخذ دوراً عظيماً في تأثيرها على سلوك الناس ، فقد يكون البعض في حال الفقر متوجّها إلى خالقه وربّه بالعبادة ، وأداء وظائفه الشرعيّة .
أمّا لو أُعطي من الأموال لم يكن من أمره غير الانحراف عن جادّة الصواب ، فتكون الأموال سبباً لزيغه ونكوصه .
وهذا الأمر ليس ضرباً من الخيال ، وإنّما الواقع شاهد على ذلك ، وخير دليل عليه ما نطقت به الآية الكريمة ، فهي حاكية عن أمرٍ وقع في عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) .
كان ثعلبة بن حاطب رجلاً فقيراً ، مؤمناً مواظباً على الطاعة ، يصلّي مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جميع صلاته اليوميّة في المسجد ، فجاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يوماً فقال : ادعُ الله أن يرزقني مالاً .
فقال : (( يا ثعلبة ، قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه ، أما لك في رسول الله أسوة حسنة ؟! والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت )) .
ثمّ أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يرزقني مالاً . والذي بعثك بالحقّ ، لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقّ حقّه .
التفت إلى قول ثعلبة إنّه يعرف أنّ الأموال موضعها الصحيح أن توظّف في طاعة الله تعالى .
فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( اللّهمّ ارزق ثعلبة مالاً )) .
فاتّخذ غنماً , فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحّى عنها ، فنزل وادياً من أوديتها ، ثمّ كثرت نمواً حتّى تباعد من المدينة ، فاشتغل بذلك عن الجمعة ، وبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المصدق ليأخذ الصدقة , فأبى وبخل ، وقال : ما هذه إلاّ اُخت الجزية !
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا ويح ثعلبة ! يا ويح ثعلبة ! )) . فأنزل الله تعالى هذه الآيات(12) .
{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة : 75 - 77] .
فتأمّل في عاقبة ثعلبة كيف انقلب على عقبيه , يوم كان فقيراً كان مواظباً على طاعة الله ، ولمّا أتاه الله الأموال قسا قلبه واتّبع أهواءه ؛ حبّاً في الدنيا ، فلم يستعمل ما أوتي من المال في طاعة الله ، مع علمه السابق على أنّ الأموال طريقها هو ذكر الله تعالى .
خامساً : الخاتمة
هذا نموذج والواقع فيه نماذج كثيرة . إنّ الأموال قد تدفع الكثير على فعل القبيح ، وارتكاب الجرائم ، وما طمعهم في ذلك إِلاّ حبّ الدنيا وشهواتها .
ألم تعلم بالذين قاتلوا الإمام الحسين (عليه السّلام) , ألم يعلموا أنّه ابن رسول الله ؟! ألم يعلموا أنّه إمام لا يجوز الخروج عن طاعته ؟! فعلوا أعظم جناية قتلوه ومَنْ كان معه من أهل بيته وأصحابه ، وكان الدافع في ذلك حبّ الأموال ، حبّ الدنيا .
الشاهد على ذلك ، لمّا خرج الإمام الحسين (عليه السّلام) متوجّهاً إلى الكوفة والتقى في طريقه مع الحرّ بن يزيد ومَنْ كان معه أتى بعد ذلك ابنَ زياد رجل من عسكر الحرّ من غير علمه ، وقال : اعلم أيّها الأمير ، أنّ الحسين نزل في أرض كربلاء وضايقناه ، ولولا كنّا لرجع إلى المدينة ، فعند ذلك أطلق منادياً في الكوفة : يا معشر الناس ، مَنْ يأت برأس الحسين فله ملك الريّ عشر سنين .
فقام إليه عمر بن سعد ، وقال : أنا آتيك برأسه . فقال : امض وامنعه من شرب الماء وائتني برأسه . فقال : سمعاً وطاعة .
فعند ذلك عقد له راية وأمّره على ستة آلاف فارس ، ثمّ أمره بالمسير ، فخرج من عنده وأتى داره ، فدخل عليه أولاد المهاجرين والأنصار الذين كانوا بالكوفة , وقالوا :
ويلك يابن سعد ! لا تخرج إلى حرب الحسين . فقال : لست أفعل .
ثمّ جعل يفكّر في ملك الريّ وحرب الحسين ، فاختارت نفسه ملك الريّ على حرب الحسين ، ثم جعل يقول :
فـو اللهِ ما أدري وإنّي لحائرٌii اُفكّرُ iiفي أمري على خطرينِ
أأتركُ ملكَ الريّ والريّ مُنيتي ii أم أصبحُ مأثوماً بقتلِ حسينِ(13)
واختار قتل الحسين حبّاً في ملك الريّ مع علمه أن قتاله إثم ، فخرج لقتاله ووقف أمام الحسين (عليه السّلام) يوم العاشر من المحرّم ، فانفرد من الجيش ووضع سهماً في كبد قوسه ، ثمّ رمى نحو الإمام ، والتفت إلى أصحابه قائلاً : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى(14) .
قال ذلك لينال الجائزة .
أقول : هذا سهم ، ثمّ ترادفت السهام على أبي عبد الله الحسين ، وعلى أهل بيته وأصحابه . وهناك سهم نحر الطفل الرضيع من الوريد إلى الوريد ، وهناك سيف وقع على رأس علي الأكبر ، وهناك عمود وقع على رأس أبي الفضل العباس .
وأمّا الحسين لمّا أُثخن بالجراح [ وأصبح ] كالقنفذ طعنه صالح بن وهب المزني (لعنه الله) على خاصرته طعنة سقط الحسين (عليه السّلام) عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن ، ثمّ قام (صلوات الله عليه) .
قال الراوي : وخرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي : وا أخاه ! وا سيداه ! وا أهل بيتاه ! ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل(15) .
فنختار هنا أبياتاً من الشعر تتناسب وتتلائم مع هذه المصيبة ، بحيث تكون الأبيات ذات معنى عميق يعبّر عن حقيقة الفاجعة المؤلمة ، وتهيّج مشاعر وأحاسيس السامعين .
ملاحظات
1 ـ على الخطيب أن يكتب جميع تفاصيل الخطبة التي يعزم على إلقائها ؛ فإنّ ذلك ضامن لسداد رأيه ، كما ينبغي له أن يحفظها ، ويردّدها بصوته قبل الإلقاء على الناس بحسب ما يراه مناسباً ؛ فإنّ ذلك يتيح له فرصة التعرّف على الاُمور التي تقتضي الوقوف عندها ، أو الاُمور التي تحتاج إلى التغيير والتعديل ، ويستمر على هذا المنهج حتّى إذا صارت له الخطابة ملكة ، وعُدّ في صفوف الخطباء اكتفى بدراسة الموضوع دراسة وافية .
ثمّ كتب العناصر أو لم يكتبها إن أسعفته ذاكرة قوّية ، أو كانت الخطبة قصيرة لا عناصر لها , ألقى الخطبة مكتفياً بذلك التحضير الذي يعدّ أقل أنواعه كلفة ، ولا يكتفي به إلاّ أعظم الخطباء قدرة(16) .
2 ـ الافتتاح بهذه الآية الكريمة مثلاً على الرغم من اختيار محور واحد منها ، لكنّها في الواقع تحتوي على محاور عديدة يمكن للخطيب البحث فيها ، والاعتماد عليها في توسيع المحاضرة وتطويلها ، والتوسّع في ذلك يعتمد على قدرات وقابليات الخطيب ، ولكنّ الأولى بالمبتدئ ـ كما قلنا ـ تبنّي المحاضرات القصيرة ، حتّى إذا اكتملت قابلياته يتوسّع شيئاً فشيئاً .
3 ـ الأفضل للخطيب المبتدئ أن يستفيد من أجهزة تسجيل الصوت والصورة ؛ ليطّلع بنفسه على أدائه ، ويشخّص مواطن الضعف والقوّة فيه .
الدعاء
الدعاء في آخر الخطبة جزء ضروري من أجزائها . ينبغي أن يكون بنحو حسن كبقية أجزاء الخطبة ، وإنّ كثيراً من الخطباء المبتدئين حينما ينتهي إلى الدعاء يبدو عليه الاضطراب والتخبّط في أقواله ، حتّى إنّ البعض يصاحب أقواله الأخطاء التي في بعضها مثار للسخرية ، وتدنّي لمهابة الخطيب .
والسبب في ذلك أنّ الخطيب لم يهيّئ له صيغة خاصّة للدعاء كتهيئة أجزاء الخطبة الاُخرى ؛ فلكي تتلافى هذه المشكلة ينبغي بالخطيب أن يتوجّه إلى صيغة الدعاء الصحيحة ، وتكون على النحو التالي :
1 ـ التمجيد لله (تعالى) والصلاة على النبيّ وآله .
2 ـ الدعاء بالفرج لصاحب العصر والزمان ، الإمام الحجّة بن الحسن (عليه السّلام) ، والدعاء بالكون معه لنصرته ، والاستشهاد بين يديه .
3 ـ الدعاء بالنصر للإسلام والمسلمين ، والدعاء بالهلاك لأعداء الإسلام .
4 ـ الترحّم لعلماء الاُمّة الماضين ، والدعاء بالتوفيق ، والحفظ لدعاة وقادة الاُمّة ، وعلمائها الموجودين .
5 ـ الدعاء للمؤمنين الحاضرين في المجلس ، والسامعين له بقضاء الحوائج ، وتيسير المطالب ، وشفاء المرضى ، وقضاء الدين ، ودفع البلاء ، والحفظ من كلّ سوء ، وحسن العاقبة .
6 ـ الدعاء للمؤسسين بقبول الأعمال والتوفيق .
7 ـ ثمّ قراءة الفاتحة على أرواح الأموات ـ أموات الجميع ـ , ثمّ الصلاة على النبيّ وآله الطاهرين .
________
(1) المصدر نفسه / 107 .
(2) حكايت ها وهدايت ها در آثار شهيد مطهري / 319 . (فارسي)
(3) الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 143 .
(4) المصدر نفسه / 143 .
(5) المصدر نفسه / 142 .
(6) المصدر نفسه / 168 .
(7) المصدر نفسه / 171 .
(8) المصدر نفسه / 172 .
(9) المصدر نفسه / 172 .
(10) المصدر نفسه / 151 .
(11) المصدر نفسه / 149 .
(12) الميزان في تفسير القرآن 9 / 69 .
(13) إكسير العبادات في أسرار الشهادات 2 / 148 .
(14) الملهوف على قتلى الطفوف / 108 .
(15) الملهوف على قتلى الطفوف / 17 .
(16) الخطابة ـ اُصولها ، تاريخها / 16 .