الدروس المستخلصة منها
الاسباب و الاهداف

شروط الهدنة
إنّ الشروط التي وقَّع عليها معاوية قد جاءت على غاية من الأهمية والخطورة , وهي شروط كثيرة لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا إلاّ عن بعض منها ، غير أنه قد أشار التاريخ إلى كثرة هذه الشروط حين صرّح بأنّ معاوية قد أرسل إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) وثيقة ضمن له فيها شروطاً ، ولكن الإمام الحسن (عليه السّلام) قد شرط عليه أضعاف ذلك .
والذي أفصح لنا عنه التاريخ من هذه الشروط مهم جدّاً ، ولعل ما لم يصل إلينا ممّا سعى الاُمويّون إلى طمسه وإغفاله كان هو الأهم والأكثر حساسيّة .
بعض شروط الصلح
ومن جملة شروط معاهدة الهدنة التي كانت بين معاوية والإمام الحسن (عليه السّلام) هو أنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) يسلم الأمر لمعاوية على أن يكون له الأمر من بعده ؛ فإن حدث به حدث فللحسين (عليه السّلام) .
وممّا يدل على ثبوت هذا الشرط أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قد قال لابن الزبير بمجرد ورود الخبر بموت معاوية : (( إنّي لا اُبايع أبداً ؛ لأنّ الأمر إنما كان لي من بعد أخي الحسن ، فصنع معاوية ما صنع ، وحلف لأخي الحسن أنه لا يجعل الخلافة لأحد من بعده من ولده ، وأن يردّها إليَّ إن كنت حيّاً ؛ فإن كان معاوية قد خرج من دنياه ولم يفِ لي ولا لأخي الحسن بما كان ضمن فقد والله أتانا ما لا قوام لنا به )) .
كما أنّ من شروط تلك الهدنة أن لا يسمّي الإمام الحسن (عليه السّلام) معاوية أميرَ المؤمنين , وأن لا يقيم عنده شهادة , وأن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة رسوله.
وزاد بعضهم : وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين ، وبعضهم زاد : وسنة الخلفاء الصالحين , وليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده .
وهناك شروط اُخرى , مثل : أن يترك سب الإمام علي (عليه السّلام) ولا يذكره إلاّ بخير , واستثناء مال بيت مال الكوفة فلا يُسلّم إلى معاوية , وعلى معاوية أن يحمل إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) في كلِّ عام ألفَي ألف درهم , وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس , وأن يفرق في أولاد مَن قُتل مع علي (عليه السّلام) في الجمل وصفّين ألف ألف درهم , وأن يجعل ذلك من خراج دارابجرد .
وفي نص آخر : أن يكون له خراج دارابجرد .
وأنّ الناس آمنون حيث كانوا ؛ أسودهم وأحمرهم , وأن يحتمل هفوات الناس , وأن لا يتبع أحداً بما مضى , وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة , وعلى أمان أصحاب الإمام علي (عليه السّلام) أينما كانوا , وأن لا ينال أحداً من شيعة الإمام علي (عليه السّلام) بمكروه , وأن يكون أصحاب علي وشيعته آمنين على أنفسهم وأموالهم ، ونسائهم وأولادهم , وأن يوصل لكل ذي حقٍّ حقه , وأن لا يبغي للحسن وللحسين (عليهم السّلام) ، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غائلة , وأن لا يخيف أحداً في اُفق من الآفاق .
وهناك شروط اُخرى تفهم بالمراجعة إلى المصادر .
الشروط وسياسة سحب الذرائع
وعلى كلِّ حال فإنّ إلقاء نظرة على هذه الشروط تعطينا أنها قد ركّزت على سحب جميع الذرائع من معاوية والاُمويّين ، وإسقاط كل اُطروحتهم ، وسلبهم أية شرعيّة يمكن أن يدّعيها أي فريق بشري حتّى لو كان من أهل الجاهليّة ، أو غير مسلم ، حتّى مَن لا يدين بأي دين ولا يعترف حتّى بوجود الله سبحانه .
وذلك لأنّ علاقات البشر ببعضهم تقوم على احترام العهود والمواثيق فيما بينهم ، ولولا ذلك لاختلت الحياة ، ولأكل الناس بعضهم بعضاً , فأيّ إقدام على نقض العهود من طرف واحد مرفوض شرعاً وعرفاً ، ومدان عند جميع المجتمعات الإنسانيّة ، بل لا بدّ أن يُصنّف هو في عداد الخيانة للعهود والمواثيق ، وهو ليس فقط مرفوضاً شرعاً ، بل ممّا لا يرضاه جميع عقلاء البشر ، وتأباه مختلف المجتمعات الإنسانيّة حتّى المجتمع الجاهلي .
والذي نلاحظه هنا :
1 ـ أنّه شَرَطَ أن يكون خراج دارابجرد للإمام (عليه السّلام) , يدل على أنه (عليه السّلام) لا يرى معاوية إماماً ؛ من حيث إنّ هذه المنطقة إنما فُتحت صلحاً ولم تُفتح عنوة , وما كان كذلك فهو للإمام (عليه السّلام) .
أمّا سائر البلاد فقد فُتحت عنوة ، وما كان كذلك فهو يُقسّم بين المقاتلة الفاتحين , فإذا تعدّى معاوية على حقوق الناس وظلمهم فإنّ على الناس أن يطالبوا بحقوقهم ، وأن لا يرضوا بهذا الظلم .
أمّا ما يرجع إلى الإمام فإنما هو حق له من حيث هو إمام ؛ وبذلك يكون (عليه السّلام) قد أفهم من يريد أن يفهم أنّ هذه الهدنة قد تضمّنت سلب معاوية كلّ ما يدّعيه لنفسه من مقامات ، وبيّنت أنّ الإمام الحق إنما هادنه في دائرة محدودة جداً ، ولكنه سلب عنه كل شرعيّة فيها كما سيتضح .
2 ـ أنّه شرط عليه أن لا يسمّيه بأمير المؤمنين ، وقد سجّل هو قبوله بذلك بخط يده ، طائعاً مختاراً ، مع أنّ هذا إعلان صريح بأنه (عليه السّلام) لا يرى شرعيّة ما يدعيه معاوية لنفسه ، وأن تسمِّيه بأمير المؤمنين ما هو إلاّ توثب شخصي منه على أمر لا حق له فيه ، وأن ما يسفكه من أجل ذلك من دماء بريئة ما هو إلاّ إقدام على ارتكاب الجرائم والموبقات والعظائم .
ولنفترض جدلاً أن محبّيه قد نسوا ما سفكه معاوية من دماء بريئة من أجل الحصول على هذا الأمر ، وتذرّعوا باحتمال واهٍ وسخيف ، وهو أنّ معاوية إنما أعطى هذا الشرط للإمام الحسن (عليه السّلام) على سبيل التكرم والسماحة وسعة الصدر ؛ بهدف إدخال السرور على قلبه (عليه الصلاة والسلام) ، لا لأنه قد قبل واعترف بأن هذا المقام ليس له .
فيأتي الشرط الثاني ليبين بوار هذا الاحتمال ، ويقول :
3 ـ أنّ الأمر بعد معاوية للحسن ، ثم للحسين (عليهما السّلام) .
فالقضية إذاً ليست قضية مجاملات ، ولا هي نزاع حول التفوّه بألفاظ المدح والثناء ، أو النطق بالألقاب ، أو السكوت عنها , بل القضية قضية إحقاق الحق وإرجاعه إلى أهله , وهو الحق الذي غيّر اغتصابه من أهله مجرى التاريخ .
فلا يصح أن يقال : إنّ معاوية جعل الأمر لهما (عليهما السّلام) من بعده على سبيل التنازل عن حق هو له ؛ إرفاقاً بهما ، وتقرباً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإذا بدا له بعد ذلك أن يسترجع هذا العطاء حين رأى المصلحة في ذلك فإنما يسترجع حقه .
نعم ، لا يصح أن يقال هذا ؛ لأنه إنما قال : إنّ الأمر من بعده للحسن ثم للحسين , ولم يقل : إنّ معاوية قد جعل الأمر لهما (عليهما السّلام) .
وهذا معناه أنّ معاوية قد سجّل اعترافاً بحقيقة راهنة لم يكن له بدّ من الاعتراف بها ، وهي التي قرّرها الله ورسوله في حديث : (( الأئمة بعدي اثنا عشر ... )) , وغيره من الأحاديث الصحيحة الثابتة ، بالإضافة إلى حديث : (( ابناي هذان إمامان ... )) , وغير ذلك .
وبعبارة اُخرى : إنّ التعبير الوارد لم يكن أنّ معاوية قد جعل لهما الأمر من بعده لكي يرد احتمال أن يكون قد جعل لهما ما هو حق له , بل التعبير هو : «إنّ الأمر بعد معاوية للحسن ثمّ للحسين» , أي أنه قد جاء بصيغة التقرير لحقيقة راهنة ، واعتراف بأمر واقع لا ينفي أن يكون هذا الأمر مجعولاً لهما (عليهما السّلام) من قبل الله ورسوله ، ومعاوية يعترف ويقر بذلك .
ولو أغمضنا النظر أيضاً عن ذلك وقبلنا باحتمال هو أوهى وأسخف من الاحتمال الذي ذكرناه في الشرط السابق ، وهو أن يكون قد أعطاهما ما هو حق له أيضاً ، فيصح له التراجع عن هذا العطاء إذا رأى المصلحة في التراجع ، فيأتي دور الشرط الآخر لينفي صحة هذا الاحتمال وليؤكد بواره ، ويقول :
4 ـ وليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده .
فهذا الشرط قد بيّن أن لا حق لمعاوية في هذا الأمر أصلاً , وهو يدل على أمرين :
أحدهما : أنّ جعل الأمر من بعده للحسن ثمّ للحسين لم يكن من قِبَلِ معاوية ؛ لأنه لا يحق له ذلك . وهذا يدل على أن ذكر ذلك في وثيقة الهدنة والصلح قد جاء على سبيل الاعتراف والتقرير لحقيقة ليس لمعاوية فيها حيلة ، ولا يملك إلى دفعها سبيلاً.
ثانيهما : أنّه حين نكث معاوية بعهده هذا وعَهِدَ إلى ولده يزيد (لعنه الله) فإنما فعل أمراً قد اعترف هو بعدم مشروعيته ؛ لأنه صدر عمّن ليس له الحق في أن يفعله . والذي يؤكّد هذه الحقيقة أنّ التعبير في وثيقة العهد هو : «ليس له أن يعهد لأحد» , ولم يقل : «وأن لا يعهد لأحد» .
فإنّ العبارة الثانية قد يحتمل فيها أن يكون قد تعهد بأن لا يفعل ذلك تفضلاً منه وكرماً , ولكن العبارة الأولى لا يحتمل فيها ذلك أصلاً .
ولنفترض محالاً أنه قد جعل ذلك تكرّماً منه وتفضّلاً وسماحة ، ومن خلال سجاحة خلقه وسعة صدره وحلمه , فإنّ الشرط التالي يبطل هذا الاحتمال الهجين بنفسه ، ويجعله أكثر هجنة وأشد قباحة ؛ حيث يشترط :
5 ـ أن لا يقيم الحسن (عليه السّلام) عند معاوية شهادة .
ولبيان ذلك نقول : إنّ هذا الشرط ليس فقط قد جعل معاوية في موقع الغاصب لمقام لا حقّ له فيه ، وهو مقام خلافة النبوة ، وإنّما هو بمثابة الدليل القاطع على أنه ليس لمعاوية ولا لبني اُميّة في هذا الأمر من نصيب ؛ وذلك لأنه قد أظهر أنّ معاوية يفقد أدنى شرائط التصدّي لمثل هذا المقام الخطير .
وغني عن القول إنه لم يكن ليخطر على بال أحد أن يدرج الإمام (عليه السّلام) في صلح بهذه الخطورة يراد منه حفظ دماء الناس ، ويمس مستقبل ومصير الاُمة , وبه يكون حفظ الدين كله ؛ فإنّه قد لا يحتاج (عليه السّلام) إلى إقامة هذه الشهادة ولو مرة واحدة في عمره كله ، وقد تكون شهادة على حق إنسان في فرس أو شاة , أو على لطمة أو نحو ذلك .
فإذا أخذنا هذا البند بنظر الاعتبار فسنجد أنه يبطل كل ما يدّعيه معاوية لنفسه من مقامات ، ويبطل معه كلّ شرعيّة للحكم الاُموي الذي يرتكز إليه في مشروعيته إلى مشروعيّة . إنه يبطل ذلك بشكل استدلالي يبيّن فيه فقدان معاوية للمؤهلات الأساسية التي تفيد في توهّم أن له حقاً في ذلك ؛ فإذا أقرّ معاوية على نفسه بفقده لها فإنّ ذلك يوفّر على أهل البيت (عليهم السّلام) وشيعتهم الكثير من الجهد لإقناع الناس الذين تغرّهم المظاهر ، وتؤثر عليهم الدعاوى العريضة ؛ فإنّ وضوح فقدان المؤهلات والمواصفات يمكن أن يفهمه الناس ، وأن يدركوا ما يترتب عليه بسهولة ، خصوصاً مع إقرار المعني بهذا الأمر بفقدانها بالفعل .
وهكذا كان ، فإن معاوية نفسه مؤسس تلك الحكومات قد وقَّع على هذه الوثيقة بمبادرة منه ، ومن دون أي إكراه أو اضطرار ، بل هو الذي يختار ذلك من موضع القوة والاقتدار , والإمام الحسن (عليه السّلام) لا حول له ولا قوة يُخاف منها .
وهذا مهم جداً للتأسيس للشأن الديني والاعتقادي والسياسي الذي سوف ترصده الأجيال ، وتتوقف ملياً عنده لتتخذ قرارها فيه ؛ وبذلك يتم حفظ الحق والحقيقة الواضحة للأجيال الآتية على حالة النقاء والصفاء لا تشوبها أية شائبة ؛ لأنّ الأباطيل والشبهات سوف تتلاشى ، وسوف يساعد نكث معاوية للعهد وعدم وفائه به على هذا الأمر بما لا مزيد عليه ؛ وذلك لأنّ هذا الشرط يعني أحد أمرين أو كليهما :
أولهما : أنّ معاوية لا يملك صفة العدالة المشترطة في القاضي إلى حدٍّ أنه يصبح غير مأمون حتّى على القضاء ، وحتى في مثل هذه الاُمور الجزئية والبسيطة التي تعني أفراداً من الناس , ومن لا يُؤْمَنُ على مثل هذه الاُمور البسيطة كيف يؤمن على دماء الاُمّة وأموالها وأعراضها ، وعلى دينها وأخلاقها ومستقبلها ؟!
وكيف يكون له مقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخلافته في تعليم الدين ، وفي بيان شرائعه ، وفي التصدي للشبهات وحل المعضلات , والتصدي للقضاء بين الناس ، ولقيادة الجيوش ، واتخاذ القرارات الخطيرة والحساسة التي تمس مصير الأمة وحياتها ومستقبلها في الصميم , فضلاً عن أن يتصدى للإجابة على دقائق المسائل الفقهية والعقدية وغيرها ؟!
وكيف تكون قراراته نافذة في اختيار الإمام الذي يجلس في مقام الرسول ، ويحكم الأمة باسمه (صلّى الله عليه وآله) ، لا سيما إذا كان يسوق الاُمور باتجاه ولده المعروف بفسقه وفجوره بعد أن أثبت هو نفسه قبل ولده الذي قتل أئمة الحق ، وسفك دماء عشرات الألوف من المسلمين ، من أجل الحصول على هذا الأمر والوصول إليه ؟!
نعم ، إنه يريد ليس فقط أن يحتفظ به لنفسه ، بل يريد أن يكرّسه في ولده يزيد الفاجر المعلن بالفسق والفجور ، والقاتل للنفوس المحترمة .
ثانيهما : أن يكون قد شرط عليه ذلك بسبب جهله بأحكام القضاء , ومَن كان جاهلاً حتّى بمثل هذه الاُمور البسيطة التي هي من شؤون الحاكم ، فهل يكون عالماً بسائر القضايا الحسّاسة والمصيرية والمعقّدة والتي تحتاج إلى المزيد من التعمق في الشريعة وأحكامها ؟!
وهل يصح تفويضها إليه وإعطاؤه مقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووظائفه باستثناء الوحي الإلهي وهو على هذه الصفة من الجهل بأبسط مسؤوليات النبي (صلّى الله عليه وآله) ؟! وهل يمكن أن يكون الأمين عليها والمصيب في قراراته فيها ؟! ومَن كان بهذا المستوى من الجهل أو عدم الأمانة وقلّة الدين كيف يمكن أن يفي بتعهداته بأن يعمل بالكتاب والسنة ؟!
وبعد ، فإنّه إذا كان يمكن أن يدّعي أحد ولو على سبيل المكابرة أنّ معاوية قد أعطى الإمام الحسن (عليه السّلام) ما هو حقّ له في الشرط الأول والثاني والثالث حسبما أوضحناه ، وأنّ ذلك قد كان منه ، وفي تلك وسواهما تكرماً وتفضلاً ، فإنه لا يتصور ذلك في موضوع اشتراط عدم إقامة الشهادة عنده ؛ لأنّ ذلك لا يدخل في دائرة التنازل والسماحة والتكرم ، بل هو يمثل القبول بالإهانة والانتقاص لشخصه ؛ من حيث إنه يستبطن الحكم عليه بأنه إمّا جاهل بأبسط الأحكام أو أنه بلا دين .
ولكن معاوية قد قبل حتّى هذا الشرط ، وسجل التاريخ ذلك عليه ، وربما كان معتمداً على ما عقد العزم عليه من النكث للعهد بعد الوصول إلى ما يريد حسبما قلناه ؛ وبذلك يتضح أنه (عليه السّلام) قد حفظ الشيعة والمسلمين كلهم ، وحفظ التشيع والإسلام كله ، وسلب من بني اُميّة ومن كل مناوئيه كلَّ ما يدَّعونه لأنفسهم ، وأظهر أنهم طغاة بغاة يريدون التوسّل بالباطل إلى طمس الحق وإزالة معالمه .
ثمّ هناك شروط أخرى كلها تصب في هذا الاتجاه ، مثل اشتراطه :
6 ـ أن يجعل للإمام الحسين (عليه السّلام) مليوني درهم في كل عام .
7 ـ أن يكون خراج دارابجرد للإمام الحسن (عليه السّلام) ليفرّقها بين يتامى حرب الجمل وصفين ، ولم يذكر النهروان .
ومن شأن هذا الاشتراط , خصوصاً مع عدم ذكر أيتام النهروان , أن يظهر مظلومية أمير المؤمنين (عليه السّلام) في حرب الجمل , ويشير إلى بغي معاوية عليه ، وإجرامه في حقه وفي حق الأمة بخروجه عليه في صفين ، ممّا يعني إبطال جهود معاوية للنيل من الإمام علي (عليه السّلام) وإظهار أنه كان ظالماً في حربه له .
وذلك كله يدل دلالة واضحة على أن بنود الهدنة «الصلح» سواء في ذلك ما ذكرناه منها وشرحناه ، أو ما لم نتمكن من شرحه ، قد أسقطت شرعيّة معاوية بصورة مباشرة ، وجعلتها ترزح تحت وطأة كل هذه العوامل الناسفة لها .
فهل يمكن بعد هذا كله أن يعطي مَن لا مشروعيّة له مشروعيّة لغيره ولا سيما لمَن كان مثل يزيد (لعنه الله) الذي كان فسقه وفجوره وظلمه كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار ؟!
لا حقّ لمعاوية في أن يعهد لأحد
ونعود فنكرر القول : إنه إذا كان معاوية نفسه قد اعترف بأنّ الأمر من بعده للحسن ثمّ للحسين (عليهما السّلام) ، وسلب عن نفسه مشروعيّة كل ما يقدم عليه ، حين صرّح بأنه ليس له حق بأن يعهد لأحد من بعده حتّى لو مات الإمامان الحسنان (عليهما السّلام) قبله ؛ وذلك حين قبل بأنه ليس له حق أن يولّي أحداً بعده . فذلك معناه أن يعترف بأنه لا حق لولده ولا لغيره في هذا الأمر من بعده , وأنّ ما أقدم عليه من جعل الأمر ليزيد (لعنه الله) هو من السعي الباطل الذي لا يصح ترتيب الأثر عليه في جميع الشرائع والأعراف والإنسانيّة .
وإذا كانت خلافة يزيد (لعنه الله) غير شرعيّة بجميع المقاييس , أفلا يكون يزيد (لعنه الله) هو الخارج والباغي على إمام زمانه ؟! فكيف إذا كان فقدانه للشرعيّة قد جاء بقرار موقَّعٍ من أبيه , ولا يحق لأبيه نقض المواثيق ؟!
وكيف إذا كان أبوه متغلّباً وغاصباً لنفس هذا الأمر الذي أقر على نفسه بأنه ليس له حق فيه ؟! علماً بأنّ ذلك الأب لا يملك الشرائط الموضوعيّة التي تخوّله التصدي لأمور كهذه ! ومن الطبيعي أن يكون سعيه لما لا يحق له من السعي الباطل بالسبب الباطل ؛ فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه .
هل بويع يزيد (لعنه الله) حقاً ؟!
وقد لفت نظرنا ما ورد في المنشور من أن يزيد (لعنه الله) قد بويع , ونقول : إنّ السؤال هو : كيف يصح القول : إنّ يزيد (لعنه الله) قد بُويع ؟! مع أنه لا بدّ من ملاحظة ما يلي :
أوّلاً : أنّ البيعة إنما تصح ـ كما يقوله هؤلاء ـ لو كان أهل الحل والعقد هم الذين يقومون بها ، فهل بايع أهل الحل والعقد يزيد بن معاوية (لعنه الله) ؟
ولماذا سجّل في رسالته لوالي المدينة فور وفاة أبيه التأكيدَ عليه بأن يُكره على البيعة جماعة من أهل الشأن ، مثل : ابن عمر ، وعبد الرحمان بن أبي بكر ، وابن الزبير ، والإمام الحسين (عليه السّلام) . ولم يكن أهل المدينة فضلاً عن أهل الحجاز ، وفضلاً عن أهل العراق ، قد بايعوه بعدُ ؟! بل إن أهل العراق قد كتبوا للإمام الحسين (عليه السّلام) معلنين بأنهم ليس عليهم إمام ، وأنهم يحبسون أنفسهم على الإمام الحسين (عليه السّلام) ولم يبايعوا أحداً بعد .
ثانياً : قال الشبراوي الشافعي وهو يتحدث عن الغزالي وابن العربي : «فإنّ كلاهما قد بالغ في تحريم سبه ولعنه , لكن كلاهما مردود ؛ لأنّه مبني على صحة بيعة يزيد (لعنه الله) لسبقها ، والذي عليه المحققون خلاف ما قالاه» .
ثالثاً : ألم يكن الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وهو بقية النبوة ، هو رأس أهل الحل والعقد , ولم يكن أحد في زمانه يساويه أو يساميه ؟ فمتى بايع يزيد (لعنه الله) ؟ أو متى رضي ببيعته ؟ ومَن هم أهل الحل والعقد في الحجاز وفي العراق الذين بايعوه أو رضوا ببيعته ؟!
يزيد (لعنه الله) التقي !
إنّ كاتب هذا المنشور قد ساق الحديث باتجاه ادعاء أن محمّد بن الحنفيّة قال لابن مطيع : إنه قد لزم يزيد (لعنه الله) فوجده متحرّياً للسنة ، غير تارك للصلاة .
ومن الواضح :
أوّلاً : إنّ هذا النص مشبوه ، بل لا شك في أنه مفتعل ، خصوصاً مع شهرة إعلان الإمام الحسين (عليه السّلام) بأنّ يزيد بن معاوية (لعنه الله) شارب للخمر ، قاتل للنفس المحترمة ، معلن بالفسق . ومع إجماع التاريخ على خلاف هذا الذي ينسبونه إلى ابن الحنفيّة ، وصحة وواقعية ما قاله الإمام الحسين (عليه السّلام) عنه , فلماذا أهمل كاتب المنشور هذا النص المجمع عليه ، وكذلك سائر النصوص المتواترة ، والتجأ إلى نص مشبوه تفوح منه رائحة الافتعال والكذب ؟!
ثانياً : إنّ النص المشار إليه يقول : إنّ محمّد بن علي بن أبي طالب قد لزم يزيد (لعنه الله) فوجده متحرّياً للسنة .
والسؤال هو :
ألف : متى لزم محمّد بن علي بن أبي طالب يزيدَ (لعنه الله) ؟ وأين ؟ وكيف ؟
فإنّ من المعلوم أنّ الحروب قد بدأت بين الإمام علي (عليه السّلام) ومعاوية قبل ثلاث وعشرين سنة ، أي في الوقت الذي كان فيه يزيد (لعنه الله) في سن الطفولة ، وكان عمره إحدى عشرة سنة .
ب : إنّ التاريخ مجمع على فسق يزيد (لعنه الله) ، وعلى شربه للخمر ، وارتكابه للمنكرات والموبقات ، لم يخرج عن هذا الإجماع إلاّ ثلة من الشذاذ أرادوا المكابرة ، وتكذيب حقائق التاريخ جهاراً نهاراً .
فهل نكذب هذا الإجماع ونأخذ بهذه الرواية الاُمويّة اليزيديّة الشاذّة ؟!
ج : إنّ قضية ابن مطيع إنما كانت بعد قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فكيف استساغ محمّد بن الحنفيّة الدفاع عن يزيد (لعنه الله) بعد أن فعل بأخيه الإمام الحسين وسائر أهل البيت وأصحابهم (عليهم السّلام) في كربلاء ما فعل ؟! وهل كان يزيد (لعنه الله) إلى ذلك الوقت لا يزال متحرياً للسنة , غير تارك للصلاة ؟!
وحين اضطر ابن الحنفيّة إلى الذهاب إلى الشام ، وحاول يزيد (لعنه الله) أن يسترضيه ويكسب تأييده مقابل ابن الزبير ، فهل هو قد جعله في قصره وأحضره مجالس شربه ، أم أنه كان يتظاهر بعكس ذلك ؟!
وهل تظاهره له بالدين بعد كلِّ ما ارتكبه من جرائم وموبقات يُخدع ابن الحنفيّة بهذه السرعة وبهذه البساطة ؟!.