حوزويون
علماء الطائفة من الذين درسوا في النجف الاشرف في القرن العاشر الهجري إقرأ المزيد
علماء الطائفة من الذين درسوا في النجف الاشرف في القرن التاسع الهجري إقرأ المزيد
علماء الطائفة من الذين درسوا في النجف الاشرف في القرن الثامن الهجري إقرأ المزيد
علماء الطائفة من الذين درسوا في النجف الاشرف في القرن السابع الهجري إقرأ المزيد
معرض الصور
انطلاق اعمال اليوم الثاني للمؤتمر الدولي حول التجديد في فكر الشيخ المظفر في قاعة الامام الحسن عليه السلام في العتبة العباسية المقدسة في مدي
مشاهدة المزيد
1/1/2016
الرئيسية»بحوث وتقارير
الجامعة العلمية في النجف عبر أيامها الطويلة ....(1)
العلامة الدكتور السيد محمد بحر العلوم (رحمه الله)2016-04-05
الجامعة العلمية في النجف
عبر أيامها الطويلة

كلمة لابد منها
إن الحديث عن المدرسة العلمية في النجف الاشرف واسع،ومتشعب يتسع لمجلدات،وخاصة إذا أردنا استقصاء كل ما يتعلق بهذه المدرسة العريقة ذات العمر الطويل الذي يناهز الألف عام ، والتي خرجّت مئات الأعلام من مشاهير مراجع الدين في العالم الإسلامي،وتركت للمكتبة الفكرية نتاجا ً ضخما ً في الفقه والأصول،والفلسفة الإسلامية،والتفسير،وعلوم القرآن،والحديث ورجاله،والتاريخ،والأدب،وغيره من التراث الإسلامي.
إن مدرسة النجف الاشرف عبر تاريخها العلمي الطويل جسدت من خلال الزخم الفكري تراث أئمة آل البيت عليهم السلام،وما خلفوه من ثروة رائعة متنوعة في شتى العلوم والمعرفة،واستمر هذا العطاء يتدفق جذوة علمية تعايش العصور،وتتسع آفاقها للتطور والنمو الفكري.
وإذا كانت الأحداث القاسية في عراقنا الحبيب والتي أثيرت من قبل النظام الحاكم وطالت مدينة الإمام علي عليه السلام،وضربت معهدها الشامخ،وشتتت أساتذتها وطلابها بحجة وأخرى،فان العالم الإسلامي قد استنكر هذا الاعتداء الصارخ وشاركت الجامعات والمؤسسات العالمية في هذا الاستنكار.
إن قيام ((الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية))في لندن بعقد هذا المؤتمر العلمي الفني يدعو إلى الشكر والتقدير لكل الأخوة الأساتذة الذين عملوا على تحضيره وتهيئته وفي مقدمتهم الأخ الجليل المؤمن المجاهد الدكتور المهندس السيد محمد علي الشهرستاني رائد هذه الجامعة ومؤسسها، راجيا من الله سبحانه أن يتقبل من الجميع جهدهم الرائع،ويحقق الآمال والطموحات التي من اجلها أقيم هذا المعرض،وانعقد هذا المؤتمر،ومنه الأجر والثواب.
المقدمة:
النجف وفضلها ومركزها الديني
قال الإمام الصادق عليه السلام:
[إن ميمنة الكوفة روضة من رياض الجنة].
النجَفّ،بالتحريك:مكان لا يعلوه الماء.وقد يكون في بطن الوادي شبيه بنجاف الغبيط.
والنجف:التل،والنجفة،المسُناة،والنجفة التي بظهر الكوفة هي كالمُسناة تمنع ماء السيل أن يعلو منازل الكوفة .
وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام- سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام- أن النجف كان بحرا ً عظيما،وكان يسمى ((ني))،ثم جف بعد ذلك،فقيل)) :ني جف))فسمي بنيجف،ثم سمي ((نجف))لأنه كان اخف على اللسان .
وذكرت المصادر:بأن على مقربة من هذا الموضع قبر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
كما ذكرت المصادر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الكثير عن فضل النجف وما ورد فيها من الأخبار،وأنها روضة من رياض الجنة.ومنها الحديث عن الإمام أبي جعفر الصادق عليه السلام،والذي صدرنا فيه البحث،بأن((ميمنة الكوفة روضة من رياض الجنة))،وتؤكد بعض المصادر:بأن المراد من ميمنة الكوفة قبر الإمام علي عليه السلام .
بالإضافة إلى هذا فان النجف من قبل)): مهبط الأولياء،ودار هجرة الأنبياء عليهم السلام،وعليها استوت سفينة نوح عليه السلام- كما في بعض الأحاديث- وبها كان منزل إبراهيم الخليل عليه السلام،واليها كانت هجرته )).
ولهذا كله أطلق على هذه البقعة المباركة((النجف الاشرف)) لما لها من الشرف العظيم،والمكانة السامية.
كما يطلق عليها ((العتبة المقدسة))،أو((المدينة المقدسة))نظرا ً لقداستها في نفوس الملايين من المسلمين،لأنها تشرفت بمرقد مثال العلم والمعرفة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.الإنسان الذي قال عنه رسول الله(ص):))علي مع الحق،والحق مع علي يدور حيثما دار )).
وقد قدر لهذه المدينة المقدسة أن تصبح بعد زمان محطاً لأنظار العالم الإسلامي يهاجر إليها الآلاف من طلاب الفضيلة للتفقه،والاشتغال العلمي،وتتوجه إليها نفوس الملايين من المسلمين في أقطار العالم الإسلامي كافة.ينظرون إليها بعين ملؤها التعظيم،والإجلال،وتكون يوما ً ما مقرا ً للإفتاء،والتقليد،ومركزا ً للمرجعية الكبرى التي تدير شؤون الشيعة في العالم الإسلامي.
ـ النجف جامعة علمية
قال رسول الله (ص):
[أنا مدينة العلم،وعلي بابها]
برزت (( النجف الأشرف))على مسرح التاريخ عام 170هـ حين اكتشف قبر أمير المؤمنين علي بن طالب عليه السلام،وذلك في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ،وبدأ المسلمون يتوافدون عليها من كل الأطراف لزيارة المرقد المطهر والتبرك بأعتابه،وبمرور الزمن أصبحت المدينة المقدسة مزارا ً للمسلمين ومحط أنظار العالم.
وبرزت((النجف الأ شرف))كجامعة علمية دينية عام449هـ حين انتقل إليها شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي من بغداد،وأسس معهدها العلمي اثر فتنة طائفية أثارها السلجوقيون في مفتتح حكمهم في العراق.
وعلى مرّ العصور أصبحت مدرسة النجف العلمية ثالث معهد علمي ديني عرف عند المسلمين،فكما اشتهرت ((جامعة القرويين)) جامع في فأس- المغرب بني في القرن 3هـ مشهور بأبوابه الـ 14،أقدم جامعة إسلامية في المغرب،و((الأزهر)) في القاهرة،كذلك اشتهرت جامعة النجف في العراق،وامتد عمرها إلى قرابة ألف عام.
لقد كان لهذه الجامعة العلمية أثر كبير في انتشار فكر مدرسة أئمة أهل البيت عليهم السلام،ذلك التراث الأصيل الذي يمثل التفسير وعلوم القرآن،والفقه، والحديث،وأصول الفقه،والفلسفة الإسلامية،كما لم تعدم الجامعة جوانب المعرفة الأخرى مما يتصل بالثقافة الإسلامية العامة،وخاصة الأدب العربي،فلقد أسهمت فيه هذه الجامعة إسهاما ً كبيرا ًيتجلى ذلك في المؤلفات المتنوعة،والكتب العديدة التي صدرت من أعلام وأدباء النجف الأشرف وشعرائها في مجال النثر والشعر.
وقد ساعد على استمرارية هذه الجامعة في هذه المسيرة الطويلة وجود المرجعية الدينية للمسلمين الشيعة الاثني عشرية في أغلب مراحلها فيها،والتي يرجع لها في أمور الدين،والقيادة الدنيوية قرابة 250مليون مسلم شيعي في كافة أقطار العالم الإسلامي.
ورغم أن المرجعية الدينية ليس لها حق التشريع،في الأمور المنصوص عليها في الكتاب الكريم،والسنة الشريفة،لكن فتح باب الاجتهاد عند الشيعة الأمامية ساعد كثيرا ًعلى استنباط الأحكام الشرعية في الأمور المستجدة من أدلتها التفصيلية،وهذا ما فسح المجال للتطور الفقهي في إدارة شؤون الأمة،ومسايرته لمقتضيات الزمن،بما يؤكد على عدم جمود المركزية الدينية العلمائية،وتحركها بما ينسجم وقيم الإسلام،وتعاليمه الإنسانية في بناء الفرد والمجتمع في ضوء المصلحة العامة السياسية،والاجتماعية،وكل جوانب الحياة الإنسانية.
أهم مميزات الجامعة العلمية النجفية
قبل أن نتحدث عن أدوار هذه الجامعة العلمية في مسيرتها الطويلة يجدر بنا أن نشير إلى أهم مميزاتها كأسلوب دراستها،وتطور مراحلها الدراسية ومراتب طلابها،ومسؤوليات خريجها- وذلك في حدود المتسع من الوقت.
إن الوضع الدراسي في جامعة النجف لا يختلف كثيرا ً عن سائر الجامعات الإسلامية ذات الجذور الأصيلة،والامتداد التاريخي البعيد ، إنما تمتاز هذه الجامعة ببعض الجوانب العلمية والفنية،لعل من أهمها:
1- إن الطالب في مرحلته الدراسية – ضمن هذه الجامعة- لا يفكر بأن ينال شهادة،أو يجتاز عقبة امتحان رسمي ليحظى بوظيفة.إنما يفكر ويطلب العلم لنفسه.
2- كما أن الطالب حر في اختيار المدرس،ولا يسع المدرس التخلف عنه بوجه- إذا كانت لديه فرصة من الوقت- ولم يكن هذا الدافع خوف السلطة الزمنية وضغطها على المدرس بعدم التخلف عن الاستجابة للتدريس،إنما هي تلبية لدعوة الواجب الديني فقط .
3- إن التدريس في الجامعة النجفية بكل أقسامها مجاني،لا يأخذ عليه المدرس أجرا ً،ولا يتقاضى في سبيله راتبا ً، إنما عمله خالص لوجه الله سبحانه.
4- إن الدراسة في هذه الجامعة – إذا كان الطالب جادا ً- تنتهي به إلى حصول ملكة الاجتهاد في الفقه الذي تختص الأمامية بفتح بابه.
5- إن الطالب في جامعة النجف لابد من دراسة العربية،والمعاني،والبيان،والبلاغة،والمنطق،كمقدمة لدراسة الفقه،كما يقتضى دراسة مراتب الحديث الشريف.
ليكون بذلك كله على استعداد لدراسة الفقه،وأصوله،لأتهما يعتمدان على فهم الكثير من النصوص القرآنية،والسنة الشريفة،ليتمكن من الاستدلال،ومناقشتها،ولذا فان مراحل الدراسة التي يمر بها الطالب ضرورية للوصول إلى الغاية المنشودة وهي (مرتبة الاجتهاد)هي ثلاث:
أولا- الدراسات التمهيدية:
وقد يطلق عليها ((مرحلة المقدمات))ويراد بهذا المصطلح الدروس الأولية لطالب الجامعة النجفية،كالنحو،والصرف،والبلاغة،والمنطق وربما يضم إلى هذه العلوم دراسة علم الحديث،والعلوم الرياضية،وبعض العلوم الأدبية:كعلم العروض،والبديع،والنصوص الأدبية،كل ذلك حسب رغبة الطالب،واستعداده للمشاركة بهذه المعارف.
وعلى الأعم تكون الدراسة في هذه المرحلة فردية،وان كان من الممكن أن يشترك عدد من الطلاب في درس من هذه الدروس.
وللطالب حرية اختيار المدرس،والمكان والزمان والكتاب،حسب اتفاق المدرس والتلميذ، والمهم في هذه المرحلة أن يوفر الأستاذ للطالب حرية النقاش معه بالقدر الذي يسع أفق الطالب وتفكيره.والغرض من هذه الحرية التوجيه والتمرين على قوة الملاحظة،ومدة هذه المرحلة من 3-5سنوات.

ثانيا- الدراسات الوسطى:
وقد يطلق عليها ((مرحلة السطوح))ويقصد بهذا المصطلح الدراسة التي تشمل متون الكتب الاستدلالية الفقهية والأصولية،ويتبع فيها محاكمة الآراء ومناقشتها بحرية كاملة،وعلى الأكثر تكون هذه المرحلة على أسلوب الحلقات، حيث يجتمع أكثر من طالب واحد في مجلس احد المدرسين المعروفين،ويختلف عدد الطلاب في كل حلقة حسب اختلاف المدرس،وتفوقه في أسلوب التدريس وسعة إطلاعه،كما أن الحرية مطلقة للطالب في اختيار الكتاب،والدرس.
إن كتب السطوح كلها استدلالية،وان دراستها والاستفادة منها توسع ذهن الطالب،وتمنحه قدرة خاصة لإقامة الدليل،أو رد البراهين والدعاوى.
وقد تضم هذه المرحلة علم الكلام،والفلسفة الإلهية،والتفسير،وأصول الحديث وأحوال الرواة،ومدة هذه المرحلة (السطوح)عادة من3-6 سنوات،وقد تزيد أحيانا،وإذا انتهى الطالب منها بإتقان استحق أن يسمى ((مراهقا))بمعنى أنه مقارب لدرجة الاجتهاد.
ثالثا- الدراسات العليا:
وقد تسمى هذه المرحلة بـ ((بحث الخارج))، والمقصود من ((البحث))المحاورة والمناقشة بين الطرفين،وقد أطلق على المرحلة الأخيرة من الدراسة الجامعية الدينية اسم البحث،وذلك لتوفر الحرية في أعطاء الرأي ومناقشته والمؤاخذة على إيراد الإشكال،والدفاع والاستدلال،وتكون حجتهم موضع عناية الأستاذ والطلاب.
والمقصود بمصطلح ((الخارج))الدروس التي يتلقاها الطلاب في هذه المرحلة الثالثة،والأخيرة،وأنها تكون خارج نطاق الكتب،يحاضر فيها الأستاذ ويستمع إليه الطالب دون كتاب.
وهذه المرحلة يختص بالأستاذية فيها كبار العلماء المجتهدين في الفقه والأصول وقد يوفق الطالب فيها إلى بلوغ درجة الاجتهاد،وهي أعلى درجة،وبهذا تمتاز هذه الجامعة الإسلامية في أسلوب التدريس،وفي حرية المناقشة والرأي،وفي درجتها العلمية العالية، وقد تتطرق الدراسة إلى المقارنة العلمية بين فقه المذاهب الإسلامية.
وميزة هذه المرحلة عمق البحث ودقته،وسعة أفقه،والحرية الكاملة في نقد الآراء ومناقشتها مهما كان صاحبها،والى هذا النهج الدراسي يعزى السر في تطور الدراسات الفقهية والأصولية في جامعة النجف على مر القرون.
ولعل نظرة واحدة في كتب الفقه والأصول في القرنين الرابع والخامس مثلا،ومقارنتها بكتب القرون الأخيرة،وبخاصة كتب هذا القرن نعرف مدى التطور الذي بلغه البحث العلمي في هذا الشأن.
ومدة هذه المرحلة تستمر لعدة سنوات،حتى تتم دورة كاملة في أبواب الفقه أو الأصول .
ولم تتقيد جامعة النجف بمحل واحد للدراسة،إنما تتخذ من الجوامع والمدارس الدينية-المعدة لسكن طلاب العلوم،والصحن العلوي الشريف أماكن للتدريس .
والشيء الذي لابد من الإشارة إليه هو:
إن أساتذة وطلاب الجامعة النجفية على اختلاف مراتبهم ومكانتهم لا يعتمدون في تكاليف حياتهم المعيشية على راتب أو منحة من الحكومة المحلية،ولا يقبلون موردا ً من الدولة،إنما يعتمدون بالدرجة الأولى على موارد الحقوق الدينية التي تصل المراجع الدينية،والعلماء المقصودين في الحوزة العلمية،وهذه الحقوق المؤلفة من الخمس،والزكاة،وباقي الموارد التي يجمعها بيت مال المسلمين، و تصرف بنظر المرجع الديني الأعلى،للمشاريع الدينية والإنسانية التي يطمئن فيها إلى رضا الإمام المهدي عليه السلام صاحب الأمر الحقيقي،والمراجع والعلماء نوابه أيام غيبته.
وفي نظر المسلمين الشيعة الأمامية أن يكون المرجع الديني،والعالم الرباني بعيدا ًعن مساعدة الدولة،وكذلك طلاب العلوم الدينية،كي يكونوا أحرارا ًفي حياتهم،وان لا تتحكم فيهم سياسة الحكومة،وتسيرهم أجهزة النظام الحاكم،تطبيقا للحديث الشريف:((إذا رأيت العلماء على أبواب الملوك فقل:بئس العلماء وبئس الملوك،وإذا رأيت الملوك على أبواب العلماء فقل:نعم العلماء ونعم الملوك)).